اسماعيل بن محمد القونوي
86
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( والدلالة على أنه أحق بالرأفة والرفق ) ولا يخفى أن السعي في إزاحة الشرك أهم لا سيما إن فيه إعلاء الدين وتكميل النفوس الناقصة الذي هو المقصود من بعثة الرسول عليه السّلام فهم بهذا الاعتبار أحق بالاهتمام بهم . قوله : ( أو لزيادة الإنكار كأنه قال تولى لكونه أعمى كالالتفات في قوله : وَما يُدْرِيكَ [ عبس : 3 ] الآية لزيادة أي إنكار التولي وإنما قال لزيادة لأن أصل الإنكار فهم من قوله : عَبَسَ وَتَوَلَّى [ عبس : 1 ] وقد عرفت أن تعبسه عليه السّلام وتوليه لتأليف قلوب الصناديد فالإنكار وزيادته بناء على ظاهر الحال وكذا الكلام في الالتفات على أن الالتفات في مثله ينبغي أن يحمل على اللطف بلذة الخطاب بعد قوله : عَبَسَ [ عبس : 1 ] الخ إذ فيه إنكار بحسب الظاهر فلعل التعبير بالأعمى لتعريض صناديد قريش بأنهم مع كونهم بصيرين محرومون عن النظر في المعجزات بسبب التقليد والإعراض عن التحقيق وهو رضي اللّه تعالى عنه مع كونه أعمى غير راء أكثر الآيات الدالة على صدق الرسول عليه السّلام أمعن الفكر في أحواله عليه السّلام وصدق به فهم عمي في نفس الأمر وهو رضى اللّه تعالى بصير في الحقيقة وللإشارة إلى هذه النكتة الرشيقة عبر بالأعمى ففيه تعظيم له وملائم لكونه من كبار الصحابة هذا « 1 » ما سنح ببال الفقير والعلم عند اللّه الملك الخبير . قوله تعالى : [ سورة عبس ( 80 ) : آية 3 ] وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) قوله : ( أي أي شيء ) نبه به على أن ما استفهامية أي أي جنس الأشياء لأن ما يسأل به عن الجنس غالبا ولما كان هذا مستلزما للسؤال عن تمييز الجنس المطلوب عن غيره فسره بقوله أي أي شيء الخ . قوله : أو لزيادة الإنكار فكأنه يقول قد استحق عنده العبوس والإعراض لأنه أعمى وكان يجب أن يزيده لعماه تعطفا وترؤفا وتقريبا وترحيبا يعني في العدول من العلم إلى الوصف مزيد إنكار مثل ما في العدول من الغيبة إلى الخطاب أي أهذا حق الأعمى أهذا حق الضعيف وبيانه أن في إسناد عَبَسَ وَتَوَلَّى [ عبس : 1 ] إلى ضمير الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في حال الغيبة إشعارا بأن ذلك مما لا يليق بمرتبة من هو في صدد الرسالة لا سيما أنه ما أرسل إلا رحمة للعالمين وأنه لعلى خلق عظيم فكان العابس والمتولي المعرض غير ذلك ثم التفت بخطابه قائلا وما يدريك أي مثلك بتلك المرتبة لا ينبغي أن يتصدى لغني ويتولى عن فقير وكذلك صفة العمى من حيث اعتبار الجبلة النفسانية منقصة توجب الإعراض والتولي عمن هو متصف بها ومن حيث اعتبار مرتبتك من الخلق العظيم ينبغي عليك أن تقمع النفس عن مقتضاها وتعمل بموجب الخلق العظيم لا بمقتضى شهوة النفس أو في تلك الصفة إشعار باستعمال التعطف والترؤف والتقريب والترحيب لا سيما من مثلك وقد وصفك اللّه سبحانه وتعالى بالخلق العظيم ولا سيما ما في تلك الصفة من تمهيد العذر في ترك الأدب بالاقدام على قطع كلام الرسول أي أنه معذور في ذلك لأنه أعمى ما علم اشتغاله عليه الصلاة والسّلام بالكلام مع الغير .
--> ( 1 ) أي ما ذكر في أول الدرس إلى هنا وإن كان مخالفا لما اختاره المصنف وأرباب الحواشي .